|
Director General gives a speech to the Egyptian Center for Economic Studies
الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي تحدي التنمية في العالم العربي : إلى أين نحن ذاهبون ؟ عبد اللطيف يوسف الحمد 10 نوفمبر 2009 | المركز المصري للدراسات الاقتصادية القاهرة – جمهورية مصر العربية |
تهدف هذه الورقة إلى استخلاص الدروس من التجربة العربية في التنمية، وما تتطلبه مسيرة التقدم في العالم العربي. لا أدّعي تقديم بحث علمي يرمي إلى استشراف الاقتصاد العربي بناءً على نظريات ونماذج ليس من اختصاصي الخوض فيها، بل أعرض بعض الأفكار والعبر الممكن استخلاصها من تجربة مهنيه امتدت على نحو خمسين سنة. وقد اخترت عنوان هذه الورقة "تحدي التنمية في العالم العربي : إلى أين نحن ذاهبون" لأنني أعتقد أنه من المفيد إن نتحاور في دولنا العربية حول (1) إنجازات التنمية خلال نصف القرن الماضي والدروس التي يمكن استخلاصها، (2) أهم القضايا التي تواجهها حاليا الدول العربية وتتطلب المعالجة في إطار استراتيجيات متجددة وعمل عربي مشترك، (3) مدى استعداد الأنظمة العربية لمواصلة والإصلاح من اجل التقدم والنمو في عالم توطدت فيه أواصر الاتصال واحتدمت فيه المنافسة. تختلف الدول العربية كثيراً كما تعرفون، ولولا الدين والتاريخ واللغة والثقافة لصعب اعتبار أنها تكوِّن عالما واحداً بالمعنى الذي يمكننا أن نفهم مصطلح "العالم الواحد"، لذا يتطلب الحديث عن تحدي التنمية في العالم العربي وآفاقها توخي الحذر حتى لا يتم التعميم مما هو نسبي، أو طرح النظريات على أساس ما هو جزئي. ولكن رغم أهمية الفوارق والاختلافات بين الدول العربية، هناك قواسم مشتركة عديدة تجمعها. فبالإضافة إلى الدين والتاريخ واللغة والثقافة، تتشابه الدول العربية من حيث المناخ، وندرة الموارد الحيوية كالماء، وسرعة النمو السكاني، ووضع المرأة في المجتمع، كما أن معظم التحديات التي تواجهها الدول العربية تتشابه رغم اختلاف إستراتيجيات التنمية السابقة، وهذا ما يبرر التساؤل عن نتائج تجربة التنمية العربية، وكأنها واحدة. سأتطرق إلى موضوع هذه التجربة استناداً إلى ما شاهدته وتعلمته أثناء العمل في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية العربية من خلال الإشراف على إدارة الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية أولا ثم والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.
(1) حصيلة التنمية انطلقت مسيرة التنمية في الدول العربية في أواخر الخمسينات من مستوي متدني في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية فقد كانت تعاني من الجهل والفقر والمرض، وفُقدت فيها سلطة القرار في مجالات هامة من النشاط الاقتصادي. وكان العالم العربي يعاني من حالة ركود أو تراجع طوال مئات السنين، ولم يستفق من هذا الحال إلا تدريجياً بعد الحرب العالمية الأولى، حيث وجد نفسه في عالم جديد أصبح الغرب فيه مهيمناً سياسياً وعسكرياً ومتفوقاً علمياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً. وقد تطلب التحرر من الهيمنة الأجنبية والاستعمار، ما لا يقل عن أربعة عقود . ويمكن القول أن مسيرة التنمية والإصلاح في الدول العربية مرت بثلاث فترات زمنية متتالية : الفترة الأولى من أواخر الخمسينات إلى منتصف الثمانينات، والفترة الثانية من منتصف الثمانينات إلى بداية الألفية الثالثة، والفترة الثالثة من بداية الألفية الثالثة إلى الأزمة المالية العالمية في 2008. كانت الدول العربية في طليعة الدول النامية خلال الفترة الأولى من مسيرتها التنموية، تفوقت فيها على جميع المناطق، باستثناء شرق آسيا، من حيث معدل النمو الاقتصادي، وتفوقت عليها جميعاً من حيث عدالة توزيع الدخل والحد من الفقر في المجتمع. وقد بلغ متوسط معدل النمو الاقتصادي في مجموع الدول العربية خلال هذه الفترة حوالي 4,6%، مقارنة بحوالي 6,0% في شرق آسيا، وحوالي 4,0% في جنوب آسيا، وحوالي 4,5% في أمريكا اللاتينية، وحوالي 3,7% في إفريقيا جنوب الصحراء. وتنقسم تلك الفترة إلى مرحلتين منفصلتين، امتدت الأولى من بداية الستينات إلى 1972، وهي فترة الإصلاح وبناء المؤسسات، وإعادة هيكلة الاقتصاد، وتغيير نمط العلاقات مع الخارج. حيث طغى القطاع الحكومي خلال هذه الفترة على جميع أوجه النشاط الاقتصادي، وبدأت المرحلة الثانية مع زيادة سعر النفط في 1973 وامتدت إلى 1985، تم خلالها تعديل السياسات المعتمدة على المبادرة الحكومية، وزادة نشاط القطاع الخاص، وزاد الانفتاح على العالم، ونمت التحويلات الاجتماعية لصالح أعداد متزايدة من السكان. وخلال هذه الفترة تضاعف الناتج المحلي الإجمالي لمجموع الدول حوالي ثلاثة أضعاف، وتضاعف مستوى المعيشة الفعلي حوالي خمسة أضعاف، وذلك بفضل التحويلات الاجتماعية وانخفضت نسبة الفقر إلى حوالي 6% مقارنة بحوالي 15% في شرق آسيا وحوالي 29% في أمريكا اللاتينية. كما ارتفع متوسط العمر المتوقع عند الولادة بحوالي ثلاث عشرة سنة، وانخفض معدل وفيات الأطفال الرضع من حوالي 160 إلى حوالي 65 لكل ألف. ولقد ساعد في تسريع النمو خلال تلك الفترة الزيادة في أسعار النفط، وتراكم الموارد المالية في الدول النفطية، وتحول جزء منها إلى بقية الدول العربية عن طريق الدعم المباشر والاستثمار ولعبت تحويلات العمالة الوافدة دورا كبيرا في هذا المجال. كما أسهم في دفع النمو العربي في نفس الفترة وازدهار الاقتصاد العالمي. ولكن عوامل أزمة عميقة تراكمت خلال الفترة الأولى 1960-1985 من مسيرة التنمية في الدول العربية تزامناً مع النجاح، تمثلت في ضعف وتراجع إنتاجية القوى العاملة بنسبة 0,2% بينما كانت ترتفع في العديد من مناطق العالم، مما أدى إلى إضعاف القدرة التنافسية للاقتصاد العربي. كان متوسط إنتاجية العامل في العالم العربي يبلغ حوالي 32% من إنتاجية العامل في الولايات المتحدة في بداية الستينات، ثم انخفضت هذه النسبة إلى حوالي 19% في منتصف وأواخر الثمانينات. كما تفشت في معظم الدول العربية، عقلية الإهمال وعدم الاكتراث بنوعية السلع والخدمات، وتميزت تلك الفترة بهيمنة الأجهزة الحكومية على الاقتصاد، وضعف الأداء والإنتاجية في المؤسسات العمومية وزيادة الخسائر في نتائج أعمالها، وتضخم التحويلات الاجتماعية، وتراكم الدين الداخلي والخارجي، واتساع رقعة البطالة، فضلا عن الفساد والتبذير والحروب المدمرة. 2- انتهت فترة الرخاء في منتصف عام 1986 واندلعت أزمة مالية واقتصادية واجتماعية في معظم الدول العربية، وبدأت الفترة الثانية من مسيرة التنمية بالركود الذي طال جميع الدول إثر الانخفاض الشديد في أسعار النفط آنذاك. ومنذ ذلك التاريخ حتى عام 2002، ونتيجةً لانخفاض الموارد، مر العالم العربي بأصعب فترة في تاريخه المعاصر، تباطأ فيها النمو وتراجع مستوى دخل الفرد، وانتشرت البطالة وصارت تشمل خريجي المدارس والجامعات، وتعمقت الفوارق الاجتماعية، وانتشر الفساد، وتراجعت الحريات. بلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي خلال هذه الفترة حوالي 2,7%، بينما بلغ معدل النمو السكاني حوالي 2,4%، فقد انخفض المعدل السنوي للنمو في بعض الدول حيث بلغ أدناه 0,3% سالباً، وتحسن قليلا في البعض الآخر، حيث بلغ أقصاه حوالي 6,8%. يعتبر أغلبية المحللين أن هذه الفترة من مسيرة التنمية العربية فترة ضائعة، وخاصة منها عشرية التسعينات. وهي فترة اتسمت بالركود والتقهقر والأزمات، شهدت المنطقة خلالها حروباً أهلية وإقليمية متعددة تسببت في إهدار الموارد، وتدمير المرافق، كما كانت هذه الفترة الضائعة فترة اتساع الخلافات بين عدة دول عربية تمثل أسوأها في اعتداء العراق على الكويت، والحرب بين جنوب وشمال اليمن، والحرب الأهلية في لبنان، وضعفت خلال هذه الفترة روح القومية العربية، وفقدت الكثير من معناها بسبب الخلافات والعداءات. إلا أنه على الرغم من الكوارث التي أصابت العرب خلال هذه الفترة، شهدت العشرية والنصف من 1986 إلى سنتي 2001-2002 تغيرات عميقة وإيجابية في هيكل الاقتصاد والأنظمة العربية والتي ساهمت في رفع معدلات النمو في العالم العربي خلال الفترة الثالثة القادمة وإرسائها على أسس أقوى مما سبق. ومن أهم هذه العوامل الإيجابية : (1) الإصلاحات الاقتصادية والمالية التي أنجزتها عدة دول عربية، وخاصة الدول غير النفطية كمصر والمغرب والأردن وتونس. (2) نجاح بعض الدول النفطية كالإمارات العربية المتحدة والسعودية في تنويع مصادر الدخل القومي. (3) تقدم سياسات الخصخصة وتطور القطاع الخاص حيث ارتفعت نسبة الاستثمار الخاص للاستثمار العام من 1,6 إلى 2,4 على المستوى العربي، ومن 1,8 إلى 3,0 للدول غير النفطية، كما برزت شركات عربية كبيرة تعمل على المستوى العالمي في عدة قطاعات. (4) إعادة هيكلة العديد من المؤسسات الحكومية الكبيرة، وخاصة في القطاعات الأساسية والخدمية، لتتأقلم مع متطلبات الاقتصاد الحديث. (5) الانفتاح المتزايد على العالم بالانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة وتجمعات إقليمية كمنطقة التجارة الحرة الأورو-متوسطية، (6) التغير العميق في قطاع الإعلام، والانخراط في النظام العالمي الجديد للاتصالات. 3- وخلال الفترة الثالثة التي امتدت من عام 2003 إلى عام 2008 والأزمة المالية العالمية، استرجعت معظم الدول العربية قدرتها على النمو وتسارع النمو فيها، وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من الدمار الذي خلفته الحروب في العراق ولبنان وغزة. وبلغ متوسط معدل النمو في المجموعة العربية حوالي 4,9% في السنة، وحوالي 12% في قطر، وحوالي 8% الإمارات والسعودية، وحوالي 7.5% في الكويت. كما تحسن الأداء التنموي في عدة دول عربية غير نفطية مثل الأردن ومصر وتونس والمغرب حيث بلغت معدلات النمو فيها حوالي 6,2% 5,5% و 5,4% و 5,0% على التوالي. وبلا شك، فقد تأثرت المنطقة العربية من الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في 2008، إلا أن معظم الدول تمكنت من تخفيف وطأتها وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد الوطني ورفاهة المواطنين، على الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي في 2009 وبيان هشاشة عدة مؤسسات كبيرة في القطاع الخاص في بعض الدول العربية التي لم تكن تخضع بالقدر الكافي لقواعد الحاكمية السليمة، خاصة الشفافية والمساءلة. لقد نجحت معظم الدول العربية منذ بداية الستينات من القرن الماضي إلى يومنا هذا في تغيير أوضاعها، وتنمية اقتصادها، وحققت بذلك مكتسبات عديدة شملت تجهيز بنيتها الأساسية، وتعليم أبنائها، وتوفير الرعاية الصحية لسكانها، وتحسين ظروف المعيشة في جميع مناطقها، وذلك رغم الحروب الأهلية والخارجية وتجسدت مظاهر التقدم في زيادة الدخل، وارتفاع المستوى التربوي، وتراجع نسب الفقر، وتطور الظروف السكنية، وتحسن الوضع الصحي، وتغيير وضع المرأة في المجتمع، والانفتاح على العالم. كما تجسدت في توفر البنية التحتية المتطورة والخدمات الأساسية كالكهرباء والاتصالات والماء. فالصورة إذاً ليست قاتمة كما يعتقد البعض، لسنا رواد التنمية في العالم، لكننا لسنا أيضا من فشل في تحقيقها وتسريعها وتحسين وضع الإنسان بفضلها. كما تبين أن نجاح الدول في التنمية لا يتوقف على توفر الموارد الطبيعية أو توفير البنية التحتية ، وإنما على عناصر عدة أهمها: (1) تهيئة المناخ المناسب لممارسة الأعمال، وخاصة دعم وتشجيع الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. (2) جودة الحاكمية في جهاز الدولة والشركات الخاصة (3) نمو القدرة التنافسية (4) حماية الملكية وسيادة القانون. (2) مناخ التنمية أدخلت معظم الدول العربية إصلاحات مهمة على مؤسساتها، وقوانينها، وإجراءاتها التعاقدية بهدف تهيئة المناخ السليم، ولكن المهم في العالم الموحد والمندمج الذي نتعامل فيه اليوم هو وضعنا النسبي مقارنة بالذين نتنافس معهم. تبين معظم المؤشرات، أن الدول العربية تتوزع على مجموعات متباينة من حيث كفاءة المناخ التنموي. تتألف المجموعة الأولى من قطر والإمارات والكويت والبحرين وعُمان والأردن وهي الأحسن أداءً، ثم المجموعة الثانية وهي تشمل تونس والمملكة العربية السعودية والمغرب ومصر، تليها المجموعة الثالثة وهي تضم جيبوتي والجزائر وليبيا ولبنان وموريتانيا وسورية واليمن، المجموعة الرابعة التي تشمل السودان والعراق، وهي الأقل كفاءةً، ربما بسبب ظروفها الأمنية. وخلال الفترة الثالثة التي شهدت الدول العربية فيها نمواً متسارعاً، تواصلت سياسات إصلاح مناخ الاستثمار والأعمال في معظم الدول، إلى درجة أن محرري تقرير ممارسة أنشطة الأعمال - 2009 الخاص بالدول العربية لاحظوا أن المنطقة صارت ثاني أسرع منطقة في العالم من حيث إقرار وتنفيذ الإصلاحات الهادفة لتسهيل ممارسة الأعمال ودعم الشركات والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وأن مصر والمملكة العربية السعودية تقدمتا العديد من دول العالم في سياساتها الإصلاحية. وأن ثلاث عشرة دولة عربية نفذت واحداً وثلاثين إصلاحاً سهلت الأعمال. وبفضل هذه الإصلاحات، تحسن مناخ ممارسة الأعمال في العديد من الدول العربية، فارتقى سبع منها إلى الثلث الأفضل من دول العالم والمستمد من قاعدة بيانات ممارسة الأعمال لعام 2010، والذي يحتوي على ترتيب 183 دولة في العالم حسب مؤشر "سهولة ممارسة الأعمال". تنتمي دول الخليج الست وتونس إلى طليعة دول العالم استناداً إلى هذا المؤشر. وتتقدم المملكة العربية السعودية جميع دول العالم من حيث سهولة تسجيل الملكية، وتحتل المرتبة السابعة فيما يخص دفع الضرائب والمرتبة الثالثة عشر فيما يخص سهولة تأسيس الشركات وممارسة الأعمال. كما تجدر الإشارة إلى أن العديد من الدول العربية، مثل الجزائر وسورية والعراق والسودان وجيبوتي وموريتانيا، تأتي، بالنسبة لمعظم المجالات، في مؤخرة الدول رغم جهودها للإصلاح والتغيير، وذلك إما لصعوبة التحرر من تأثير الاشتراكية أو بسبب ظروف أمنية صعبة. وفيما يخص قدرة الدول العربية على التنافس في الأسواق العالمية، يعطي مؤشر التنافسية العالمي المقدم في تقرير التنافسية العالمية لعام 2009-2010 ترتيب الدول العربية بين 132 دولة في العالم. وتلتحق الأردن بالمجموعة العربية الأولى لتحتل مع بقية دول هذه المجموعة المرتبة من 22 إلى 50 من بين جميع دول العالم. ويرتكز مؤشر التنافسية على اثني عشر مؤشراً فرعياً تتعلق بكفاءة المؤسسات العمومية، وتوفر البنى التحتية، والاستقرار الاقتصادي، وكفاءة الصحة والتعليم. تتعلق المجموعة الثالثة من المؤشرات بالحاكمية العامة (Public Governance) حيث تتركز نقاط الضعف في العالم العربي. فإن وضع الحاكمية في الدول العربية يتطلب المعالجة والإصلاح وتحتل الدول العربية مؤخرة الترتيب في معظم مجالات الحاكمية وهي مجالات المشاركة والمساءلة وكفاءة القوانين والتشريعات. أخيراً، يبين مؤشر مستوى الفساد الذي تنشره منظمة Transparency International ضمن تقريرها حول الفساد في العالم لسنة 2009 أن معظم الدول العربية، تتميز بترتيب جيد في لعالم بالنسبة لمستوى الفساد وتفشيه في المؤسسات والجهاز الحكومي. لا يعني ذلك أننا في أحسن الحالات التي نتمناها للعالم العربي، إذ لا تزال بعض الدول في مؤخرة دول العالم على الرغم من ارتفاع الدخل فيها. ساهمت مؤسسات التمويل العربية والإسلامية في تمويل مشاريع التنمية في الدول العربية بحوالي 90 مليار دولار منذ إنشائها، بلغت حصة الصندوق العربي منها حوالي 23%، أي ما يعادل حوالي 21 مليار دولار. وقد تبين من تجربة الصندوق العربي في هذا المجال، خلال الخمسة وثلاثين عاماً الماضية، أن دور المؤسسات التمويلية الدولية والإقليمية لا يكون إلا داعماً ومكملا للمجهود الوطني في جميع مراحل المشروع، كما أن هذه المؤسسات تعتمد على تحمل الدول مسؤولية الإنجاز في مختلف مراحل المشاريع، بناءً على مبدأ عدم التدخل في خيارات وسياسات الدول. لذلك، فإن كفاءة الجهاز الحكومي، وجودة التنظيمات والقوانين، وشفافية الإجراءات في التعاقد والمراقبة والتنفيذ، هي التي تميز بين الدول،لا شك في أن مناخ التنمية تحسن في العديد من الدول العربية في الفترة الأخيرة من مسيرة التنمية. لكن هذا المناخ لا يزال يحتوي على نقاط ضعف عديدة وخطيرة ويحتاج للمعالجة، ولا أعتقد أنه يمكننا حل القضايا الأربع الخطيرة والمستعصية التي نواجهها، والتي تهدد وجودنا، بدون توفير هذا المناخ الملائم. إن قضايا التشغيل والماء والأرض والعلم تزداد خطورة وتعقيدا من سنة إلى أخرى، وهي القضايا التي أعتقد أنها يجب أن تتصدر محاور استراتيجيات التنمية في العقود المقبلة.
(3) قضايا التنمية وعلى الرغم من اختلاف أوضاع الدول العربية وتباين مشاكلها، تحتاج كلها لتوفير فرص عمل لعمالة ينمو عددها بسرعة متزايدة، ومكافحة الفقر الذي لم يتم التغلب عليه نهائياً في العديد من الدول وأصبح يهدد التوازن والأمن الاجتماعي فيها، وتغيير وضع المرأة وتمكينها في المجتمع، ورفع مستوى التعليم لكي يسهم أكثر في دعم التنمية، وترشيد إدارة الموارد المائية وحماية الأرض المهددة بالتصحر والبحر المهدد بالتلوث، ومواجهة تحديات المنافسة في عالم يزداد اندماجاً بسرعة مذهلة، وتطوير الأنظمة السياسية نحو حرية أكبر حتى لم تنجح أية دولة عربية في حل قضية التشغيل خلال نصف القرن الماضي، ولا أعتقد أننا سننجح في التخلص من البطالة في الأمد القصير. نجمت قضية التشغيل في الدول العربية عن تسارع النمو السكاني في بداية خمسينات القرن الماضي الذي نتج وتحسن الأوضاع الصحية والظروف السكنية في معظم الدول العربية. وتقدم التعليم، وتغيير وضع المرأة في المجتمع. وتفاعلت هذه العوامل لترفع معدل المشاركة في قوة العمل الذي بلغ أكثر من 3% سنويا في العشرية الماضية، يتوقع أن يزداد هذا الوضع سوءاً خلال عدة عقود قادمة وستحتاج الدول العربية إلى توفير حوالي 70 مليون فرصة عمل جديدة بين العام الحالي وعام 2020. فما هي أسباب فشل الدول العربية في مواجهة قضية التشغيل؟ أرى لذلك أربعة أسباب: حجم القضية، توجهات السياسات الاقتصادية المتبعة إلى حد الآن، خصائص مناخ التنمية، ومواقف طالبي الوظائف أنفسهم. يتمثل السبب الأول في النمو السكاني السريع. فقد بلغ معدل النمو السكاني في الدول العربية، خلال الفترة 1960-2008 حوالي 8,1% في الإمارات، وحوالي 6,5% في قطر، وحوالي 4,9% في الكويت، حوالي 4,0% في الأردن، وحوالي 3,1% في اليمن وسورية. وبلغ المتوسط العام للدول العربية حوالي 2,6% سنويا لمدة نصف قرن. والذي رفع بحد ذاته حجم الطلب على مواطن العمل إلى مستويات تفوق القدرات الذاتية لأي اقتصاد في العالم، ساهمت أيضا في ارتفاع حجم هذا الطلب العوامل الثلاثة التالية: (1) ارتفاع نسبة مشاركة الشباب في القوة العاملة. (2) استقبال أعداد كبيرة من الوافدين الأجانب في الدول العربية الغنية التي ترفض عدة أنواع من العمل، وخاصة اليدوية. (3) تغيير وضع المرأة في المجتمع، وارتفاع نسبة مشاركتها في قوة العمل. يكمن السبب الثاني في فشل سياسات التشغيل في توجهات سياسات التنمية التي تركزت لمدة طويلة على تنفيذ المشاريع الكبيرة، وتوفير أجور وحماية اجتماعية عالية وخاصة في القطاع الحكومي، وعدم الاهتمام بالإنتاجية. ويتمثل السبب الثالث في ضعف نتائج سياسات التشغيل في خصائص مناخ الاستثمار والتنمية، فإنه لا يزال يحتاج للتغيير والتطوير ليتلاءم أكثر مع متطلبات التنمية المستدامة والسريعة. أما السبب الرابع، فيتعلق بمواقف وعقلية وسلوكيات العمال الذين اعتادوا على الرخاء واقتصاد الرفاهة والحياة السهلة. أعتقد أن قضية التشغيل بلغت درجة عالية من التعقيد والخطورة، وهي تفرض علينا اختيار أولويات جديدة في استراتيجيات التنمية : (1) اعتبار التشغيل محورا أساسياً في سياسات التنمية. (2) تغيير مناخ التنمية وإصلاحه لتشجيع روح المبادرة وتكوين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي توفر العدد الكبير من مواطن الشغل. (3) إصلاح نظام التربية والتعليم وتعلم اللغات الأجنبية حتى يتم الاندماج في المجتمع العالمي، (4) دعم جهاز التدريب المهني وإصلاحه. (5) إزالة المعوقات التي تمنع تحرك العمالة بين الدول العربية. تمثل قضية المياه القضية الخطيرة الثانية التي تهدد مستقبل الدول العربية، حيث تُعَدّ المنطقة العربية من أفقر المناطق من حيث توفر الموارد المائية، إذ تبلغ حصة الفرد الواحد من المياه المتوفرة حوالي 1100 م3 مقارنة بمتوسط 8000 م3 في العالم، ويتوقع أن تنخفض هذه الحصة إلى أقل من 550 م3 في عام 2025، علماً أنها حالياً أقل 500 م3 في دول عدة. ويتوقع أيضا أن يتفاقم الوضع آنذاك بزيادة الجفاف بسبب التغيرات المناخية، وانخفاض كمية المياه المتجددة بنسبة ستصل إلى 20%. وتبلغ نسبة تعبئة الموارد المائية في العالم العربي حوالي 75%، وهي أعلى نسبة في العالم، يضاف إلى ذلك أن 60% من مصادر المياه التي تروي وتغذي الوطن العربي تقع خارج هذا الوطن. وستزيد التغيرات الحالية في المناخ من حِدّة الوضع، إذ يتوقع أن يرتفع في عام 2025 متوسط درجات الحرارة في المنطقة حوالي درجتين، وتنقص كمية الأمطار بنحو 10%، والسيول بأكثر من 20%. وستتقلص كمية المياه المتجددة المتاحة من 400 مليار م3/سنة حاليا، إلى حوالي 320 مليار م3/سنة عام 2025، وتتقلص بعد تلك السنة بحوالي 30 مليار م3/سنة، أي ما يعادل نصف الكمية التي يحملها النيل في السنة. لهذه الأسباب، يُعد وضع المياه في العالم العربي من أخطر القضايا التي تواجهها دول المنطقة. فهي تهدد الاستقرار الاجتماعي، والسلم الإقليمي بالانهيار. فأصبح من الضروري ابتداءً بتحسين كفاءة استخدام المياه ومراجعة سياسات التعاون مع دول الجوار، ودعم البحث العلمي من أجل تنمية الموارد المائية وتحسين استخداماتها. تواجه الدول العربية قضية موارد حيوية أخرى لا تقل خطورة عن قضية المياه، هي قضية تصحر الأرض وتلوث البحر. تبلغ المساحة الإجمالية للدول العربية حوالي 14 مليون كم2، منها حوالي مليونين صالح للزراعة، يستغل منها حوالي الثلث. ويشكو هذا الجزء الصغير من الأراضي العربية الصالحة للزراعة من الرعي الجائر، وقطع الأشجار الذي يتسبب في ضياع حوالي 20% من المساحات، واتساع المدن الذي يتسبب في ضياع حوالي 1% من أفضل المساحات الصالحة للزراعة. فإن نسبة الأرضي المهددة بالتصحر تبلغ حوالي 24% من الأراضي المستخدمة حالياً للزراعة المروية، وحوالي 61% من المساحات المستخدمة للزراعة المطرية، وحوالي 81% من مساحة المراعي. مما يشير إلى خطورة قضية التصحر في الدول العربية وضرورة التدخل السريع، والمعالجة الفعلية وفيما يخص البحر، تمتد شواطئ الدول العربية على حوالي 30 ألف كم، منها 18 ألف كم مأهولة بالسكان. وقد بينت العديد من الدراسات أن ومواردها مهددة بالتلوث، والصيد الجائر، وفقدان التنوع البيولوجي. أما القضية المصيرية الرابعة التي يواجهها العالم العربي، فتتمثل في قضية التقدم العلمي ونشر المعرفة في المجتمع. لقد تأخرنا كثيراً عن العالم المتقدم ومعظم الدول النامية في مختلف مجالات العلم والتكنولوجيا. إذ أن مساهماتنا في البحث العلمي والابتكار التكنولوجي لا ترتقي إلى مستوى مساهمة دول يقل عدد سكانها عن 2% من عدد سكاننا. يبلغ العدد الإجمالي للمقالات العلمية في الدول العربية حوالي 11 ألف مقالة في السنة، مقارنة بحوالي 280 ألف في الولايات المتحدة، وحوالي 64 ألف في بريطانيا، وحوالي 27 ألف في اسبانيا، وقد يكون الوضع أسوأ في المستقبل نظرا لمستوى التعليم في دولنا. وأود هنا أن أشير إلى تقريرين هامين، الأول صادر عن The Institute of Higher Education التابع للجامعة الصينية المعروفة Shanghai Jiao Tong University والذي يُعتبر المرجع الأساسي لتصنيف الجامعات في العالم، وتقرير TIMSS 2007 – International Mathematics Report الذي تعده وتنشره جامعة بوسطن الأمريكية من خلال TIMSS & PIRLS International Study Center . ويبين التقرير الأول أنه لم توجد جامعة عربية واحدة ضمن قائمة الخمسمائة أفضل جامعة في العالم واحدة سوى مرتين، المرة الأولى في 2007 حيث انضمت جامعة القاهرة إلى القائمة ثم خرجت منها، الثانية في هذا العام 2009 حيث انضمت جامعة الملك سعود إلى القائمة ونأمل أن تبقى فيها لوقت طويل. وتجدر الإشارة إلى أن جامعات عديدة من جنوب إفريقيا، والبرازيل، وتايوان، وسنغافورا، وكوريا الجنوبية توجد ضمن القائمة. يلاحظ أن هذا الوضع لقطاع التعليم والبحث العلمي بدأ يتحسن في السنوات الأخيرة، لكنه يمثل أخطر تحدٍ لمستقبل العالم العربي، إذ أن النجاح في عالم اليوم والغد يحتاج لإنسان حر ومتعلم وكفؤ، قادر على الرقي بنفسه وعلى الإبداع والمبادرة، منفتح على العالم ومتصل بنظيره أينما كان لتبادل المعلومات، ومتحل بروح المسؤولية والمشاركة في وطنه ومجتمعه. والخطر هو أن نظام التعليم في دولنا ليس مؤهلاً بعد لإعداد هذا الإنسان، ونحن بحاجة ماسة إلى تغييره وتطويره، وإلا لذهبنا إلى حيث لا نشاء ... وهو الرجوع إلى الفقر والجهل والتخلف. إن تسليط الضوء على تنظيماتنا وقضايانا ليس دعوة إلى اليأس والتشاؤم، بقدر ما هو دعوة إلى اليقظة والتفكير والحوار، ونهايةً إلى الجهد والعمل والبناء. إن العالم يتغير، وتغيره يزداد سرعة باضطراد، ومستقبلنا رهينة تغييرنا لأنفسنا. إن مستقبلنا بين أيدينا. وفي النهاية، نحن ذاهبون بمشيئة الله إلى حيث ما شئنا، ولدينا من الخيرات والكفاءات ما يكفي للنجاح في الاقتصاد والأعمال والعلم. إن الخوف من التحديات لن يجدي، ولا التشاؤم من أوضاعنا، ولا اتهام غيرنا بالعداوة والتدخل في شؤوننا. إن سر التنمية والتقدم يكمن في العزم والجهد والتفاؤل، والعمل والانضباط، وتوفير المناخ المناسب لإطلاق الطاقات وتعزيز روح المبادرة والإبداع. قال الله تعالى "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى، ثم يُجزاه الجزاء الأوفى" (سورة النجم، الآيات 39-41). فبقدر سعينا وجهدنا وعملنا، سنبني مستقبلنا. Complete text of presentation including graphs and tables
|